لُقّب بـ”ثعلب المفاوضات”.. أي إنسان تُخفيه ملامح العباسي القاسية؟

تدرّج من نقابي قاعديّ في نقابة القيّمين في القيروان، ومرّ بكل المراحل والمسؤوليات، وعرف صعوبات وعراقيل كثيرة في مسيرته النقابية، ليصل إلى الأمانة العامة للإتحاد وإلى قمّة الهرم، من أسفله. لم يظن حسين العباسي القيّم في أحد معاهد القيروان، يوما، أو خُيّل إليه، أن صورته ستعلّق على الجدار إلى جانب مثله الأعلى ”فرحات حشاد” وإلى جانب غيره من القيادات النقابية التي حفرت إسمها في مسيرة الإتحاد والبلاد.

بوجه غمرته حمرة الخجل رغم ما يُعرف عنه من جدية ويبدو عليه من قسوة، استمع العباسي بوجل إلى ملخّص لمسيرته الطويلة وأهم محطاتها، الرجل الصارم الذي أتعب خصومه، وعُرف في المنظمة الشغيلة ”بثعلب المفاوضات”، صاحب الصبر الطويل والقدرة العجيبة على الإقناع، قائد الإتحاد الذي هُدّد بالتصفية الجسدية في أحلك الأيام التي عرفتها تونس بعد الثورة، والذي أعلن الإضراب الوطني العام في البلاد بعد إغتيال صديقه شكري بلعيد، والذي تُوّجت مسيرته بجائزة نوبل للسلام.. العباسي جاءنا اليوم وقد تخفّف من أعباء المسؤولية وتحفّظات السياسة، ليتحدّث كما لم يفعل من قبل.

السبيخة.. القيروان.. وحبٌّ خاص

حسين العباسي الأمين العام السابق للإتحاد العام التونسي للشغل، كان اليوم ضيف إلياس الغربي في بورتريه موزاييك أف أم. عاد بنا إلى مسقط رأسه في السبيخة، ولاية القيروان، الطفل يتيم الأم لأب فلاح، كبر واشتدّ عوده وعمل قيّما مرشدا في أحد معاهد نصر الله. حسين العباسي جسّد بلا ريب التدرّج النقابي بكل مراحله، من أوّل مسؤولية نقابية قاعدية تقلدها وهي العضوية في النقابة الأساسية للقيمين، فصعود على السلم النقابي ليصبح في 2002 كاتبا عاما للاتحاد الجهوي للقيروان، وفي 2006 أصبح عضوا في المركزية النقابية للمنظمة الشغيلة، ليتم انتخابه في 2012 كأول أمين عام للمنظمة بعد الثورة.

لم يتخلّ العباسي حتى وهو في ذروة مسؤوليته على رأس الإتحاد، وبعد أن استقرّ في العاصمة تاركا القيروان، عن ”طقس” العودة الأسبوعية إلى مسقط الرأس. زوجته وأبناؤه الذين رافقوه إلى تونس بعد توليه الأمانة العامة، نجحوا رغم انتزاعهم من تربتهم في المواصلة والتأقلم.. ونجحوا في دراستهم وفي مسيرتهم رغم كل شيء. قال العباسي عن ذلك ”أنا رب عائلة متكونة من أربعة أبناء وأحفاد أيضا.. عادة أبناء النقابيين أوالمسؤولين يحرمون من الرعاية والإحاطة الكاملة.. يصعب جدا أن تُواكب الأبناء وتتعاطى معهم وتتابع دراستهم.. يصعب التوفيق بين النشاط النقابي أو السياسي والأبناء.. من حسن حظي أن زوجتي موجودة.. هي إهتمت بهم وعوّضت غيابي”.

”خط ممانع”ومسيرة نقابية طويلة ووعرة

”وصولي إلى عضوية الإتحاد الجهوي بالقيروان كان سنة 1997 .. عضوية متأخرة نظرا لما واجهته من عراقيل”. وأوضح العباسي أن الإتحاد قبل الثورة كان يعرف شقّين يحملان توجهين مختلفين: الأول يرى أن المنظمة يمكن أن تكون على اتصال مع السلطة.. وآخر ضد هذا التوجه. وقال ”القاعدة النقابية في القيروان ارتأت تغيير القيادة السابقة التي كانت مع التواصل مع النظام”.

وتحدث العباسي عن علاقة إتحاد الشغل مع الرئيس السابق بن علي، قائلا ”لا أحد يمكنه تحييد الاتحاد، لكن السلطة تسعى دائما لتدجين القيادات وترك الفرص للموالين للصعود إلى المراكز القيادية الأولى.. لكن من حسن حظ الاتحاد وجود خط ممانع داخله لم يمت.. وكلما رأى انحرافا لعب دوره الهام جدا”.

وتابع العباسي في تقييمه لدور الإتحاد قبل الثورة، ”الإتحاد لعب دوره زمن بن علي، حين بعث بمجلس للمستشارين وأراد تمثيل الإتحاد فيه بالتعيين.. قلنا لسنا معنيين بهذا.. هذا الشق فرض التصويت السري على هذا القرار وتم اسقاطه”. واعتبر العباسي أن ”الخط الممانع” بدأ ضعيفا ثم استقوى وانتشر داخل المنظمة، وقال ”نعم هناك قيادات أخطأت.. لكن وُجدت قيادات أصلحت هذه الأخطاء”.

”شكري بلعيد كان قادما إلى مكتبي يوم اغتياله”

مرحلة صعبة قاد فيها العباسي المنظمة الشغيلة، وخاض فيها أدوارا سياسية وتوافقية من أجل الخروج بالبلاد من مربّع العنف الذي كان يحاصرها من كل جانب.. وتحدّث العباسي عن تلك الفترة فقال ”بتفاقم الأوضاع وحدوث الاغتيالات.. كان من السهل على من يحكم في تلك الفترة ضرب الإتحاد لبسط نفوذه.. وحين مانع الإتحاد مررنا إلى مستوى التصفية الجسدية.. تصوّرت كل شيء الا الاغتيال بالرصاص”.

وأكد العباسي أنه كان على موعد مع الشهيد شكري بلعيد يوم 6 فيفري 2013، يوم إغتياله، وقال ”بلعيد كان جايني للمكتب بش نفكرو معا في الحوار الوطني.. حينها كانت بذرته الأولى بصدد التكوّن، بعد أن فشلت فكرة المؤتمر ضد العنف.. كان جاي بش نتناقشو كفاش نطورو مبادرة الإتحاد..”.

وتابع ”يومها استيقظت متأخرا بعض الشيء.. وزوجتي أعلمتني بأن شكري أصيب بالرصاص.. كنت ماشي للخدمة بطلت.. وكنت رافض الحماية رغم التهديدات، نهارتها فهمت روحي اللي لازمني حراسة..”.

”لست إقصائيا”

وفي عودة على الحوار الوطني، قال العباسي إن الحوار نجح بفضل المنظمات الراعية له وبفضل كل الأحزاب المشاركة والتي قدمت تضحيات وتنازلات.. وتابع ”لست اقصائيا.. ما قلتش النهضة ما تحكمش، قلت النهضة خرجت من اطار كتابة دستور، إلى الحكم وإدارة شأن البلاد، بدت لي أنها فقد صلوحيتها”.

وتابع ”الهدف من الحوار الوطني حينها كان التسريع في كتابة الدستور، وتغيير النسخة الأولى الصادمة التي انبثقت عن المجلس التأسيسي..”.

”الإتحاد رشّح مهدي جمعة لرئاسة حكومة الوحدة الوطنية”

وعن كواليس الحوار الوطني، كشف العباسي أن الهدف من الحوار كان انتخاب هيئة للإنتخابات ووضع قانون إنتخابي، وقال ”نجحنا في ذلك لاننا طرحنا مبادرة فيها خارطة طريق، وأغلب الأحزاب قبلت بها، ولقت صدى طيبا لدى الشعب التونسي”.

وأضاف ”نجاح يعود أيضا للأحزاب التي شاركت وقدمت تضحيات حتى تتحقق بنود خارطة الطريق.. إخراج الترويكا من الحكم وتكوين حكومة كفاءات لا حق لها في الترشح مستقبلا”. كما كشف العباسي عن أن المهدي جمعة رئيس الحكومة السابق كان مرشح الإتحاد، وقال ”مهدي جمعة اقترحه الإتحاد وتوافقنا حوله.. كل شخص كنا نجيبوه لقيادة تلك الفترة يُرفض من الأحزاب.. المهدي جمعة في تلك الفترة كان رفضه محرجا للنهضة على اعتباره كان وزيرا في حكومتها، في حين كان جمعة من بين من قدموا للاتحاد وهو وزير صناعة من أجل إيجاد حل.. وضعنا معه عقدا ضمنيا واتفقنا معه على ضوابط أنجزها.. بالنسبة إلينا حينها لم يكن مهدي جمعة بعيدا عن الإتحاد”.

رسالة العباسي لتونس وللنقابيين..

وخلص العباسي في عودة على مسيرته إلى القول ‘ لم يذهب بي التفكير يوما لأكون أمينا عام للاتحاد وأنال جائزة نوبل للسلام.. الصدف كانت فاعلة في نحت شخصيتي ومسيرتي.. كنت أنظر بإعجاب للزعماء النقابيين.. ولم افكر يوما في أن أكون في هذه القيادة التاريخية..”

وأضاف ”فرحات حشاد مثلي الأعلى، شخص أعطى كل ما عندو بما في ذلك نفسه لأجل البلاد، كان يعرف أنه مطارد ولم يأخذ احتياطاته.. فقط حمى أبناءه وأبعدهم.. وواجه مصيره وحده، لم يكن له من ملجئ إلا بعض النقابيين والأصدقاء الذين كان في مقدمتهم مصطفى الفيلالي”.

ووجه العباسي رسالة لتونس، فقال ”آن الأوان لإيجاد حل للخروج من الوضع المأساوي الذي تعيشه البلاد على كل المستويات.. من غير الممكن القيام بحوار وطني كما في السابق لأن لكل مرحلة خصوصيتها.. لكن يمكن خلق طريقة جديدة، موكول للتونسيين ايجاد هذه الطريقة.”، وللناقبيين قال ”ردوا بالكم تغرّكم المسؤولية، نحبكم دائما متضامنين على العهد لأجل البلاد”.